يبدو أن هناك خطين متوازيين لا يلتقيان بشأن تنفيذ خطط الدولة لاستقطاب الأموال الأجنبية، فبينما تنادي وزارات وجهات حكومية بتسهيل بيئة الأعمال، وخلق بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، تظهر بين الفينة والأخرى أصوات نيابية تطالب بزيادة الرسوم على الوافدين (آخرها الدعوات لفرض رسوم على تحويلاتهم).
هذا التوجه يرى أهل الاقتصاد، أنه عصا إضافية تبطئ دوران عجلة تحول الكويت إلى مركز مالي وتجاري في المنطقة.
وفي هذا الخصوص، علمت «الراي» من مصادر مطلعة، أن جهات اقتصادية محلية مرموقة تلقّت أخيراً استفسارات غير معتادة من مؤسسات استثمارية أجنبية كبرى، تتعلق جميعها بما وصفته «حملة تصعيد الرسوم ضد الوافدين منذ فترة، ومدى إمكانية أن تنعكس تأثيرات هذه الحملة سلباً على استثماراتهم، وإقامات عائلاتهم وموظفيهم، إذا قرروا دخول السوق المحلي».
وبيّنت المصادر، أن غالبية استفسارات المؤسسات الأجنبية تكررت في الفترة الأخيرة، وانصبت حول الضمانات التي يمكن أن تقدمها الدولة، وتكفل للمستثمر الأجنبي وعائلته، وموظفيه، إقامة استثمارية واجتماعية مستقرة في الكويت، لجهة عدم تعرضهم مستقبلاً لمعوقات إجرائية غير مستحقة عند تخليصهم معاملات بسيطة، إذا قرروا الاستثمار بالكويت.
وذكرت أن «أكثر أسئلة المستثمرين طرحاً في السابق، كانت تتركز حول التسهيلات التي يمكن أن تمنح لهم، وسهولة حركة أموالهم، والضرائب التي يمكن أن يدفعوها للدولة، والأراضي التي يمكن أن توفر لإقامة مشاريعهم، ونسب العمالة الوطنية، وغيرها من محددات استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية المعتادة في أسواق المنطقة».
ولكن كيفية استفسارات هذه المؤسسات أخيراً بحسب المصادر، عكست حساسية مفرطة من التغيرات التي طرأت محلياً في طريقة التعامل مع الوافدين.
ولفتت إلى أن الجهات المعنية ردت على الشركات الأجنبية بأن النقاشات النيابية المفتوحة بخصوص الوافدين تدخل ضمن الممارسات الديموقراطية، التي لا تعوق الرؤية العامة للدولة حول خلق بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية وتسهيل بيئة الأعمال.
وبيّنت أنه «تم نقل هذه المخاوف إلى مجلس الوزراء، الذي أكد دعمه على الاستمرار في رفع كفاءة معايير السوق المحلي، وتعزيز الجهود الهادفة لتنويع مصادر الدخل، والتطوير المستمر لآليات السوق، بما يتوافق مع المعايير العالمية».
الملحم
وفي حين تتصدر الضريبة على تحويلات الوافدين المشهد بالوقت الراهن، أكد رئيس مجلس مفوضي هيئة الأسواق الدكتور أحمد الملحم أن المستثمر الأجنبي في سوق الكويت المالي غير معني بإقرار رسوم على تحويلات الوافدين من عدمه، باعتبار أن هذا الأمر منصوص عليه في قانون «الهيئة».
وقال الملحم في تصريح لـ«الراي» إنه «في جميع جوالاتنا الترويجية لهيئة الأسواق، ولقاءاتنا مع المستثمرين الأجانب يكون النقاش مرتكزاً في الأساس حول ضرائب الأوراق المالية المقررة في الكويت، حيث نوضح للمستثمرين المحتملين أن المادة (150 مكرر) من القانون تعفي عوائد الأوراق المالية والسندات والصكوك وكل الأوراق المالية الأخرى المماثلة، أياً كانت الجهة المصدرة من الضريبة، من عدم الإخلال بالإعفاءات الضريبية المقررة على أرباح التصرف في الأوراق المالية الصادرة من الشركات المدرجة، وهذا ما يهم المستثمرين الأجانب المهتمين بالأسهم».
وأضاف أن المستثمرين الأجانب في سوق الأسهم غير مقيمين بالكويت، حيث تدار أموالهم عبر محافظ وصناديق عالمية، ولذلك هم غير منشغلين بالتعليمات التي تنظم حياة المقيمين.
ورغم بلوغ سوق المال المحلي مرحلة تطور مهمة باعتراف جهات دولية بارزة بفعل الجهود التي قادها وزير التجارة والصناعة، خالد الروضان نحو تسهيل بيئة الاستثمار لغير الكويتيين في قطاع البنوك الكبير، إلا أن محاولات التضييق على الوافدين تؤثر سلباً على خطط الاستثمارات المباشرة المقيمة، وحركة رؤوس الأموال.
السلمي
من ناحيته، قال رئيس اتحاد شركات الاستثمار، رئيس مجلس إدارة شركة «إيفا» القابضة، رئيس مجلس إدارة المقاصة، صالح السلمي، إن الكويت دولة طاردة للمال الأجنبي، موضحاً أن فرض رسوم على تحويلات الوافدين قرار غير حصيف اقتصادياً، ويعاكس آليات الاقتصاد الحر.
وأوضح السلمي في تصريح لـ«الراي» أن نظرة الدول المجاورة إلى الوافد اقتصادياً تغيرت كثيراً في الفترة الأخيرة، فبعد الإمارات وافقت السعودية على مشروع نظام الإقامة المميزة، والتي تمنح المقيمين في المملكة، مزايا خاصة، تشمل إقامة دائمة وإقامة موقتة برسوم محددة، يمنح صاحبها عدداً من المزايا من ضمنها ممارسة الأعمال التجارية وفق ضوابط محددة، وذلك في مسعى لزيادة استقطاب الأموال الأجنبية.
وشدّد السلمي على ضرورة تغيير طريقة التفكير تجاه الإجراءات الاقتصادية، والنظر إلى الوافدين، مبيّناً أنه إذا تغير الفكر ستتحسن كل الأمور، ولن ينشغل المجتمع بالتفاصيل التي يمكن أن تنظم بقرار بعيداً عن مبدأ الوصاية الذي يستعمله البعض من غير المختصين.
وذكر أنه معلوم عن الكويت أنها بلد ذات رأسمال حر، لكن في المقابل هناك من يسعى إلى تقييد حركة رؤوس الاموال، بما يخالف آليات السوق والتوجهات العامة للدولة.
وبيّن أن قرار المستثمر الأجنبي بتحويل أمواله إلى الكويت يتأثر بتقييمه لإجراءات الدولة مع استثماره، ومن يديره من موظفين، لافتاً إلى انه وباعتبار أن رأس المال جبان، يكون أصحاب الاستثمارات الأجنبية التشغيلية أكثر قلقاً في خصوص تعامل الدولة معهم.
واشار إلى أن أسواق المال الناشئة مثل الكويت تسعى دائماً إلى مغازلة المستثمر الأجنبي بتخفيض القيود التي تقلل من جاذبية الاستثمار، حيث تعمل على تحسين بيئة أعمالها، وتحديداً المتعلقة بتسهيل حركة الأموال منها وإليها.